دكتور عبد العزيز الدوري
90
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
ومهما قيل عن تأخر الأمويين في دخول الإسلام ، فإنهم قرشيون يمثلون في وجهتهم الإدارية استمرار الخطوط التي استقرت في فترة الراشدين ، من تكوين دولة موحدة وسيادة العرب الذين قاموا بالفتوح ، وبقاء الجيش يستند إلى القبائل ، وحفظ وجهة الأمة المجاهدة . وكان المجتمع في مطلق العصر الأموي يتكون من المسلمين وهم بالدرجة الأولى العرب الفاتحون ، ومن أهل الذمة . وقد بقي أهل الذمة على تنظيماتهم الاجتماعية ومؤسساتهم الدينية يتبعون قوانينهم وعرفهم . ونظمت علاقاتهم مع العرب بعهود خاصة ضمنت لهم حرياتهم العامة ، خاصة حرية العقيدة والملك ، مقابل جزية يدفعونها ، وقد يطلب إليهم ضيافة من يمر بهم من رسل المسلمين وإرشاد الضالة . ولم توضع عليهم قيود اجتماعية ، وأمّا ما ينسب إلى عمر بن الخطاب من قيود فهو إنتاج فترة متأخرة في ظروف اجتماعية وسياسية مختلفة . وكان دورهم كبيرا في الإدارة المالية ، كما أنّ الصلات الاجتماعية بينهم وبين المسلمين كانت طبيعية ، وكان لها أثرها في إثارة بعض المشاكل الفكرية وفي تبادل الأفكار في مرحلة شفوية سبقت مرحلة الترجمة الرسمية . وهذه ناحية لا تزال تنتظر الدراسات الجدية . أمّا المسلمون فهم العرب مبدئيا ، وقلة من غير العرب ، زاد عددهم بصورة تدريجية ، وهم الموالي . جاء العرب واستوطنوا أحيانا في مراكز أو مدن خاصة كالبصرة والكوفة . ودراسة هذه المدن وتطورها تعطي صورة واضحة عن تطور العرب في هذه الفترة وعن صلتهم بالموالي . جاء العرب في هيئة قبائل مع أهليهم وانتظموا في سجل العطاء . ولعل ظروف التنظيم العسكري استوجبت أن تصبح العشيرة لا القبيلة الوحدة العسكرية الأولى وعلى رأسها عريف يتولى توزيع العطاء وبعض المسؤوليات . ولكن التطورات السياسية أدت تدريجيا إلى تأكيد أهمية القبيلة - وهي مجموعة عشائر ، ثم إلى تكوين أحلاف قبلية تتنافس على النفوذ والسلطان ، وركز ذلك بعدئذ اختيار الأمراء من مجموعة أو أخرى . وقد أدت ظروف الفتح ومبدأ المساواة الإسلامية زمن الراشدين إلى وجود وحدات عسكرية من الموالي تستلم العطاء والرزق وتساهم مع الجيوش العربية في القتال ، كما هو حال السيابجة والأساورة في العراق . ولعل استمرار الهجرة العربية من الجزيرة إلى الأمصار وما يتطلبه ذلك من التوسع في العطاء وهدوء موجة الفتوحات الأولى أدّى إلى وقف هذا الاتجاه ، فاستند الديوان إلى العرب وحدهم .